فصل: تفسير الآية رقم (46):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآية رقم (34):

{وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)}
{وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} شرط ودليل وجواب والجملة دليل جواب قوله: {إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} وتقدير الكلام إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، ولذلك تقول لو قال الرجل أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيداً فدخلت ثم كلمت لم تطلق، وهو جواب لما أوهموا من جداله كلام بلا طائل. وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإِغواء وأن خلاف مراده محال. وقيل: {أَن يُغْوِيَكُمْ} أن يهلككم من غوى الفصيل غوى إذا بشم فهلك. {هُوَ رَبُّكُمْ} هو خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على أعمالكم.

.تفسير الآيات (35- 40):

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)}
{أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} وباله وقرئ: {أَجْرامي}على الجمع. {وَأَنَاْ بَرِئ مّمَّا تُجْرَمُونَ} من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي.
{وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ} فلا تحزن ولا تتأسف. {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أقنطه الله تعالى من إيمانهم ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والإِيذاء.
{واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا} ملتبساً بأعيننا، عبر بكثرة آلة الحس الذي يحفظ به الشيء ويراعى عن الاختلال والزيغ عن المبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل. {وَوَحْيِنَا} إليك كيف تصنعها. {وَلاَ تخاطبنى في الذين ظَلَمُواْ} ولا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم. {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} محكوم عليهم بالإِغراق فلا سبيل إلى كفه.
{وَيَصْنَعُ الفلك} حكاية حال ماضية. {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} استهزؤوا به لعمله السفينة فإنه كان يعملها في برية بعيدة من الماء أوان عزته، وكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجاراً بعدما كنت نبياً. {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. وقيل المراد بالسخرية الاستجهال.
{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يعني به إياهم وبالعذاب الغرق. {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} وينزل عليه، أو يحل عليه حلول الدين الذي لا انفكاك عنه. {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} دائم وهو عذاب النار.
{حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا} غاية لقوله: {وَيَصْنَعُ الفلك} وما بينهما حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام. {وَفَارَ التنور} نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور، و{التنور} تنور الخبز ابتدأ منه النبوع على خرق العادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند أو بعين وردة من أرض الجزيرة وقيل التنور وجه الأرض أو أشرف موضع فيها. {قُلْنَا احمل فِيهَا} في السفينة. {مِن كُلّ} من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها. {زَوْجَيْنِ اثنين} ذكراً وأنثى هذا على قراءة حفص والباقون أضافوا على معنى احمل اثنين من كل صنف ذكر وصنف أنثى. {وَأَهْلَكَ} عطف على {زَوْجَيْنِ} أو {اثنين}، والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم. {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول} بأنه من المغرقين يريد ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين. {وَمَنْ ءامَنَ} والمؤمنين من غيرهم. {وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} قيل كانوا تسعة وسبعين زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم وثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم. روي أنه عليه الصلاة والسلام اتخذ السفينة في سنتين من الساج وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلاثين، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحش وفي أوسطها الإِنس وفي أعلاها الطير.

.تفسير الآية رقم (41):

{وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)}
{وَقَالَ اركبوا فِيهَا} أي صيروا فيها وجعل ذلك ركوباً لأنها في الماء كالمركوب في الأرض. {بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} متصل ب {اركبوا} حال من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين باسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أو مكانهما على أن المجرى والمرسى للوقت أو المكان أو المصدر، والمضاف محذوف كقولهم: آتيك خفوق النجم، وانتصابهما بما قدرناه حالاً ويجوز رفعهما ب {بِسْمِ اللَّهِ} على أن المراد بهما المصدر أو جملة من مبتدأ وخبر، أي إجراؤها {بِسْمِ اللَّهِ} على أن {بِسْمِ اللَّهِ} خبر أو صلة والخبر محذوف وهي إما جملة مقتضية لا تعلق لها بما قبلها أو حال مقدرة من الواو أو الهاء. وروي أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست. ويجوز أن يكون الاسم مقحماً كقوله:
ثُمَّ اسْمُ السَّلاَم عَلَيْكُمَا

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم برواية حفص {مَجْرَاهَا} بالفتح من جرى وقرئ: {مرساها} أيضاً من رسا وكلاهما يحتمل الثلاثة و{مجريها ومرسيها} بلفظ الفاعل صفتين لله. {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لولا مغفرته لفرطاتكم ورحمته إياكم لما نجاكم.

.تفسير الآية رقم (42):

{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42)}
{وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ} متصل بمحذوف دل عليه {اركبوا} فركبوا مسمين وهي تجري وهم فيها. {فِى مَوْجٍ كالجبال} في موج من الطوفان، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه كل موجة منها كجبل في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه ليس بثابت، والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعاً وإن صح فلعل ذلك قبل التطبيق. {ونادى نُوحٌ ابنه} كنعان، وقرئ: {ابناها} و{ابنه} بحذف الألف على أن الضمير لامرأته، وكان ربيبه وقيل كان لغير رشدة لقوله تعالى: {فَخَانَتَاهُمَا} وهو خطأ إذ الأنبياء عصمن من ذلك والمراد بالخيانة الخيانة في الدين، وقرئ: {ابناه} على الندبة ولكونها حكاية سوغ حذف الحرف. {وَكَانَ في مَعْزِلٍ} عزل فيه نفسه عن أبيه أو عن دينه مفعل للمكان من عزله عنه إذا أبعده. {يابنى اركب مَّعَنَا} في السفينة، والجمهور كسروا الياء ليدل على ياء الإِضافة المحذوفة في جميع القرآن، غير ابن كثير فإنه وقف عليها في (لقمان) في الموضع الأول باتفاق الرواة وفي الثالث في رواية قنبل وعاصم فإنه فتح هاهنا اقتصاراً على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإِضافة، واختلفت الرواية عنه في سائر المواضع وقد أدغم الباء في الميم أبو عمرو والكسائي وحفص لتقاربهما. {وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين} في الدين والانعزال.

.تفسير الآية رقم (43):

{قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)}
{قَالَ سَآوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء} أن يغرقني {قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ} إلا الراحم وهو الله تعالى أو الإِمكان من رحمهم الله وهم المؤمنون، رد بذلك أن يكون اليوم معتصم من جبل ونحوه يعصم اللائذ به إلا معتصم المؤمنين وهو السفينة. وقيل لا عاصم بمعنى لا ذا عصمة كقوله: {فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} وقيل الاستثناء منقطع أي لكن من رحمه الله يعصمه. {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج} بين نوح وابنه أو بين ابنه والجبل. {فَكَانَ مِنَ المغرقين} فصار من المهلكين بالماء.

.تفسير الآية رقم (44):

{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)}
{وَقِيلَ ياأرض ابلعى مَاءكِ وياسماء أَقْلِعِى} نوديا بما ينادي به أولو العلم وأمرا بما يؤمرون به، تمثيلاً لكمال قدرته وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما بالأمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه، والبلع النشف والإِقلاع والإِمساك. {وَغِيضَ الماء} نقص. {وَقُضِيَ الأمر} وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين. {واستوت} واستقرت السفينة. {عَلَى الجودى} جبل بالموصل وقيل بالشام وقيل بآمل. روي أنه ركب السفينة عاشر رجب ونزل عنها عاشر المحرم فصام ذلك اليوم فصار ذلك سنة. {وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ الظالمين} هلاكاً لهم يقال بعد بعداً وبعداً إذا أبعد بعداً بعيداً بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء، والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإِيجاز الخالي عن الإِخلال، وفي إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار.

.تفسير الآية رقم (45):

{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)}
{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} وأراد نداءه بدليل عطف قوله: {فَقَالَ رَبّ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى} فإنه النداء. {وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق} وإن كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه الخلف، وقد وعدت أن تنجي أهلي فما حاله، أو فما له لم ينج، ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه. {وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين} لأنك أعلمهم وأعدلهم، أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكمة كالدارع من الدرع.

.تفسير الآية رقم (46):

{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)}
{قَالَ يَا نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} لقطع الولاية بين المؤمن والكافر وأشار إليه بقوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح} فإنه تعليل لنفي كونه من أهله، وأصله إنه ذو عمل فاسد فجعل ذاته ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة:
ترتع مَا رتعت حَتى إِذَا ادْكَّرَت ** فإِنَّمَا هي إقبالٌ وإِدْبَارٌ

ثم بدل الفاسد بغير الصالح تصريحاً بالمناقضة بين وصفيهما وانتفاء ما أوجب النجاة لمن نجا من أهله عنه. وقرأ الكسائي ويعقوب {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح} أي عمل عملاً غير صالح. {فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ما لا تعلم أصواب هو أم ليس كذلك، وإنما سمي نداءه سؤالاً لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه في شأن ولده أو استفسار المانع للانجاز في حقه، وإنما سماه جهلاً وزجر عنه بقوله: {إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين} لأن استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال وأغناه عن السؤال، لكن أشغله حب الولد عنه حتى اشتبه عليه الأمر. وقرأ ابن كثير بفتح اللام والنون الشديدة وكذلك نافع وابن عامر غير أنهما كسرا النون على أن أصله تسألنني فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات وكسرت الشديدة للياء، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة وعن نافع برواية رويس إثباتها في الوصل.

.تفسير الآية رقم (47):

{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)}
{قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ} فيما يستقبل. {مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ} ما لا علم لي بصحته. {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى} وإن لم تغفر لي ما فرط مني في السؤال. {وَتَرْحَمْنِى} بالتوبة والتفضل علي. {أَكُن مّنَ الخاسرين} أعمالاً.

.تفسير الآية رقم (48):

{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)}
{قِيلَ يانوح اهبط بسلام مّنَّا} انزل من السفينة مسلماً من المكاره من جهتنا أو مسلماً عليك. {وبركات عَلَيْكَ} ومباركاً عليك أو زيادات في نسلك حتى تصير آدماً ثانياً. وقرئ: {اهبط} بالضم {وبركة} على التوحيد وهو الخير النامي. {وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ} وعلى أمم هم الذين معك، سموا أمماً لتحزبهم أو لتشعب الأمم منهم، أو وعلى أمم ناشئة ممن معك والمراد بهم المؤمنون لقوله: {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ} أي وممن معك سنمتعهم في الدنيا. {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة والمراد بهم الكفار من ذرية من معه. وقيل هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب ما نزل بهم.

.تفسير الآية رقم (49):

{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)}
{تِلْكَ} إشارة إلى قصة نوح ومحلها الرفع بالابتداء وخبرها: {مِنْ أَنبَاء الغيب} أي بعضها. {نُوحِيهَا إِلَيْكَ} خبر ثان والضمير لها أي موحاة إليك، أو حال من ال {أَنْبَاء} أو هو الخبر و{مِنْ أَنْبَاء} متعلق به أو حال من الهاء في {نُوحِيهَا}. {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا} خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك من قبل ايحائنا إليك، أو حال من الهاء في نوحيها أو الكاف في {إِلَيْكَ} أي: جاهلاً أنت وقومك بها، وفي ذكرهم تنبيه على أنه لم يتعلمها إذ لم يخالط غيرهم وأنهم مع كثرتهم لما لم يسمعوها فكيف بواحد منهم. {فاصبر} على مشاق الرسالة وأذية القوم كما صبر نوح. {إِنَّ العاقبة} في الدنيا بالظفر وفي الآخرة بالفوز. {لّلْمُتَّقِينَ} عن الشرك والمعاصي.